جبا - خاص/  حسين حسن صباح:

تقع منطقة الشعيبة على مسافة ستة كيلومترات شمال مدينة الزبير ، وتتبعها أداريا أي هي ضمن حدودها الجغرافية .. وهي ذاكرة التاريخ وشجرة التآلف والأصالة العربية ، ويجمعها بأخلاق سكانها الطيبون أواصر المحبة ، والقيم الفاضلة والكرم ، رغم اختلاف عشائرهم".
وتعد الشعيبة من المناطق التاريخية المهمة ، وازدادت شهرتها عند مجيئ الشيخ "عجمي باشا السعدون" مع عشائره التي انتشرت في كل مكان فيها عام 1913م ، وذلك للقاء السيد "طالب باشا النقيب" عندما أشتد الخلاف بينهم .

وفي عام 1914- 1918م زادت أهميتها السياسية عند اندلاع الحرب العالمية الأولى.

 

 

 


 
وصباح يوم الاثنين الموافق في الثاني والعشرين من كانون الثاني عام 1915 ، وصلت طلائع القوات العشائرية الثائرة عن طريق هور الحمار إلى الشعيبة في منطقة تسمى ( النخيلة ) مع القوات التركية لملاقات القوات البريطانية التي احتشدت في أدغال منطقة البرجسية ، معززة لوجستيا بالمدافع والطائرات ، والجيش النظامي الذي بلغ عداد افراده  ستة آلاف جندي".

 

واندلعت معركة طاحنة بعد اشتباك طلائع القوتين فيما بينهما ، بشكل دامي أطلق عليها تاريخيا بــ (معركة الشعيبة ) فكانت معركة حامية الوطيس ، هزت صفحات التاريخ ، حيث استخدم فيها كافة الإمكانيات اللوجستية ، وقدمت العشائر التي كانت تقاتل بقيادة السيد "محمد سعيد الحبوبي" التضحيات والبطولات الرائعة حتى لاحت في الأفق علامات الانتصار ، واسفرت عن تراجع القوات البريطانية التي استنجدت بــ ( سرية نقل ) من العجلات تجرها الخيول والبغال ، وذلك لنقل قتلاهم ، وعند قدوم السرية الى ميدان المعركة ، أثارت غبارا كثيفا ،  وارعبت قلوب الأتراك ، ظنا منهم أن" الإمدادات العسكرية البريطانية قد وصلت من البصرة إلى ساحة المعركة ، فتخلخلت صفوف الجيش التركي ، ولاحت آثار الهزيمة تجر على قواتهم ، وهرب الجنود الاتراك ، وقام القائد التركي "سليمان عسكري " في نيسان عام 1915م بالانتحار في خيمته لعدم قدرته على تحمل الهزيمة ، وبعدها تم انسحاب جميع القوات المشتركة من ميدان المعركة".

 

 

وفي عام 1930 من الميلاد ، وبموجب المعاهدة العراقية – البريطانية ، اتخذت الشعيبة مقرا للقوات البريطانية ، وتطور الوضع فيما بعد ، لتصبح الشعيبة عام 1939 – 1945 ، مركزا عسكريا مهما وخطيرا يضم مختلف المؤسسات العسكرية  ، من مطار ومخازن كبيرة ، أنشأت تحت الأرض .
وعام 1946م انسحبت القوات البريطانية من البصرة بعد انتصارها على ألمانيا ،  تاركة ورائها المخازن والمعدات في منطقة الشعيبة ، مما حفز الكثير من الأهالي الى السيطرة عليها ، وعرضها للبيع في الاسواق المحلية ، ولكن الموقع بقي على حاله  كقاعدة للطيران العسكري البريطاني .
وفي عام 1952م ، أضرب قرابة 900 عامل يعملون  بالقاعدة البريطانية في الشعيبة عن العمل ، احتجاجا على اجورهم المتدنية ، وقد وعدهم  الانكليز بتلبية جميع مطالبهم ، ولكنهم لم ينالوها لعدم وجود المصداقية بالوعود .. فقام العمال العراقيون بإضراب آخر أستمر لمدة ستة أيام ، مطالبين بزيادة الأجور ، وتحسين ظروف العمل ، ووقف الانتهاكات بحق العمال ، والطرد المزاجي ، وتمكنوا بعزيمتهم من الحصول على جميع مطالبهم".

وشهد عام 1955م، انسحاب كافة القوات البريطانية من القاعدة ، عندما عقد ( حلف بغداد ) وبموجبها تسلمت الحكومة العراقية هذه القاعدة بجميع ممتلكاتها وجعلتها مدرسة لضباطها الطيارين .
وتتكون منطقة الشعيبة من بيوت مبني أغلبها من الطين والجص او الاجر ، واكثر شوارعها لاتزال ترابية ، ويخترقها طريق قادم إليها من الزبير والآخر مرتبط بالبصرة".
وفيها محطة قطار لنقل المسافرين التي ساهمت باستقرار السكن للعمال والموظفين وتوسعت بعدها لتكون مصدر رزق للأهالي ، رغم قربها من مصفى البصرة الذي بنية بأمواله ، وعمرت اكثر المدن العراقية - إلا إنها-  لم تحصد سوى سموم الادخنة المتصاعدة من المصفى الذي أثر على سكانها ، وخصوصا كبار السن منهم ، والأطفال ، ويعاني كثير منهم من الأمراض الصدرية المزمنة ، من مرض الحساسية ، والربو ، والاختناق ، ولازال سكانها يعيشون تحت مستوى خط الفقر قياسا بالثروة التي تطفي منطقتهم عليها ، فضلا عن ضعف الخدمات الاخرى لسكانها في القطاعات الخدمية والصحية والتربوية ، وكما لايوجد في المنطقة أي متنزه  عائلي ، أو ملعب شعبي ،  أو نادي رياضي يحتضن الشباب ،  أو حتى حدائق عامة ، أو ساحات لعب للأطفال ، وتزداد معاناة منطقة الشعيبة اثر تبعيتهم الى المجلس البلدي في قضاء الزبير ، البعيد عن اوضاعهم وظروفهم الخدمية ، وعدم وجود مجلس بلدي خاص بهم ، بالنظر لكون القانون حرمهم من هذا الحق ، وجعل أحد أبناء منطقتهم  هو من يمثلهم في المجلس البلدي في الزبير ، وبالنظر لكون تمثيل منطقة الشعيبة بشخص واحد فقط عنها ، نرى المدينة الصغيرة ،  قليلة الحظ بالحصول على حقوقها الخدمية والاعمارية ، ويطالب سكانها بمجلس بلدي خاص بهم يدير شؤونهم ، ويتابع متطلباتهم اليومية". 
ومن أشهر القبور في البصرة هو قبر الصحابي "مالك بن أنس " الذي يقع في منطقة الشعيبة ، وكان خادما عند الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قرابة عشر سنين على اختلاف الروايات ، وتوفي كآخر صحابي في البصرة عام (92 هجرية) وكان عمره آنذاك 103 سنة ، واتخذ الجيش البريطاني  قبره معسكرا لهم ، وشهدت فيه معركة الشعيبة الشهيرة ، قبل ان" يصبح فيما بعد معسكرا للجيش العراقي ،  وتقع على قبر الصحابي قبة من الجص ، وهي قديمة البناء ، ومازال قبره موجود لحد الآن ".