جريدة صوت البصرة:متابعات
بغداد – آمنة عبد العزيز – بشير خزعل 
أكثر من 350 نزيلة تكتظ بهم قاعات سجن بغداد للنساء وزعن فيها تبعاً لنوع الحكم،فهناك محكومات بالاعدام والسجن المؤبد وأخريات تراوحت أحكامهن بين المتوسطة والخفيفة ولأسباب شتى. بينهن من جاء بها القدر بعد ان تهاوت نفسها أمام الطمع او تلك التي دفعها الغيظ  والحقد او من لم تصمد أمام نزوة من نزوات الدنيا فباعت نفسها بثمن بخس لمغريات الحياة وزخارفها.( الصباح) تجولت في سجن بغداد للنساء أو ما يعرف ( بالسي فور رقم 6) من سجن الرصافة لتكون وجها لوجه مع واقع النساء السجينات بقضايا شتى، واستمعت لحكايات بعض النزيلات والمشرفين عليه.افتعال الأزمات
كان أول المتحدثين معاون مدير السجن الذي قال: ان التناحر السياسي اثر بشكل كبير في مؤسسات الدولة، فمن لديه مشكلة مع الحكومة يحاول ان يفتعل أزمة سياسية القصد منها تشويه سمعة الآخر وهذا ما يؤثر في اداء الدوائر والمؤسسات التابعة للدولة، فالبعض لايفرق بين الدولة والحكومة، نحن نسعى، من خلال تضافر الجهود، إلى  تأهيل الاشخاص سواء كانوا رجالا او نساء ليصبحوا عناصر صالحين في المجتمع بدلا من ان يكونوا مرتكبي جرائم. المرأة نصف المجتمع ويجب ان يكون الاهتمام بها كبيرا والا تستغل في اعمال اجرامية وارهابية. لدينا في السجن نزيلات محكومات بقضايا ارهاب وقضايا مدنية وادارية وتهم بغاء، والبعض منهن امهات  لديهن اطفال وهن معزولات في قاعة خاصة. ضابط الامن في السجن نفى وجود اية حالات اضطهاد او تعذيب ولا يوجد أي اتصال بين المشرف على قاعات النساء الا من خلال الرقيبات الشرطيات اللواتي يقمن بالاشراف على الحراسة والتعداد والإطعام والتنظيم، وما نسمعه عن وجود حالات اغتصاب في السجون هو شيء مؤسف ومخجل لا سيما ونحن مجتمع عشائري واسلامي. 

حكايات وحكايات

السجينة ( س، خ) مهندسة كانت تعمل في وزارة التجارة محكومة بسبع سنوات سجن عن جريمة اختلاس قالت:  اتصل بي شقيقي الاكبر واستفسر مني عن صحة الاخبار التي تذاع في بعض الفضائيات عن وجود حالات اغتصاب في سجون النساء فأخبرته ان ما يذاع عارٍ عن الصحة ولا وجود لمثل هذه الحكايات وقد طلبنا من ادارة السجن ان ترفع لنا دعوى ضد بعض وسائل الاعلام التي تناولت مثل هذه الاخبار.     
(ف، ع) متهمة بقضية نزاهة عندما كانت تعمل في وزارة العلوم والتكنولوجيا، تم الحكم عليها بثلاث سنوات واربعة شهور وقد اكملت محكوميتها في السجن وتنتظر ان يطلق سراحها وانكرت ما يشاع عن وجود اضطهاد وتعذيب ووجود حالات اغتصاب داخل سجن النساء، وبينت انها احد المسؤولين في الدولة من اقربائها وقد اتصل بها ليتبين الحقيقة واخبرته بعدم وجود مثل هذه الممارسات داخل السجن.
(س، س) من مواليد 1985مطلقة ولديها طفلان حكم عليها 15 سنة بتهمة البغاء وهي في طور اعادة الحكم كانت في سجن الشعبة الخامسة لمدة سنتين كعقوبة ثم تم تسفيرها الى سجن الحلة لمدة سنة واستقرت أخيراً في سجن النساء في بغداد، تم ضبطها في شارع فلسطين بعد ان اشتكى عليها عمّها. قالت: لايوجد لدي محامٍ ومعي ابنتي فقط والطفل مع ابيه، اريد ارسال ابنتي الى دار رعاية الايتام بدلا من السجن فانا لا استطيع رعايتها في هذه القاعة بسبب حالتي النفسية المتردية.وفي ( الردهة ) ذاتها حاولت بعض  السجينات ايصال تظلماتهن، وكانت (ف، س) التي غادرت وجهها ملامح الاستقرار وراحت عيناها الباحثتين عن خلاص تستنجد ببقايا أمل في الحياة بعد ان باتت متهمة بالإرهاب، ولم يتجاوز عمرها الـ 19 عاما حملت بمقداره الضعف ليكون حكما مؤبدا، وها هي تدافع عن نفسها بصوت خافت ربما يكون جزءا من الشعور بالذنب والخطيئة أو يكون تصريحا بعيد الصدى على أن العقل والتحكم به أبلغ من الوقوف في زاوية مظلمة من الحياة،وكما تدافع (ف) عن نفسها وهو حق يكفله القانون لأية سجينة لكنها قالت: أنا بريئة وزوجي هو المذنب بتهمة الإرهاب ولم أكن أشاركه عمله بل لم أكن أعلم بمصدر تلك الأموال التي يمنحني إياها أنا بريئة !! ( ف) أنجبت طفلة داخل سجنها سمتها ( آية ) كان من حقها حضانتها لأربع أعوام داخل السجن لكن أهلها أخذوها لتربيتها بينهم !!
ليس بعيدا عن السجينة الأولى وعلى مقربة من أخرى وعلى ذات السرير ذي الطابقين كانت ( ث. ح) بسنواتها الأربعة والعشرين تغطي نصف وجهها بغطاء رأسها وبين يديها مسبحة طويلة قد تكون تلك المسبحة بخرزاتها المئة وواحدة مع شواهدها تزيد عن الخمسين عاما محكوميتها المؤبد أو ربما تحاول بها الاستغفار عن جرم مشهود قالت عنه إنها لم ترتكبه ! وقالت بلغة ترقب بملامح وجوهنا الباحثة عن الحقيقة في صوتها: 
 أنا وأختي هذه وأشارت لشابة تجالسها على ذات السرير،تهمتنا 4 إرهاب قبض علينا متلبسات بالجرم ونحن نادمتان،والحقيقة والقول لها: إننا لم نتعرض لأي ضغط أو تعذيب أو اغتصاب لأننا اعترفنا بجرمنا وجرم أزواجنا .
بهدوء مشوب بالحذر حاولت السجينة ( س,ح) المترجمة السابقة في احدى الوزارات أن تبرئ نفسها من تهمة قتل والدها قالت: لم أطعنه بتلك السكين ولكن كنت أعمل ( زلاطة ) فسقط والدي على السكين ومات ؟! كان الحكم الأول 6 سنوات ثم تغير الحكم الى 15 سنة بعدها صدر الحكم 20 عاما تحت المادة 406 قتل متعمد،( انا بريئة ولم أقتل والدي)!!
السجينة ( س،م) والسجينة (أ, م ) وعمتهم هن من عائلة واحدة مع أزواجهن واخوتهن والتهمة 4 إرهاب،تدافع كل منهن عن نفسها بطريقة يائسة،لكن السجينة ( ز, ك ) 44 عاما قالت: والله مظلومة وتهمتي تجارة الأعضاء،لكن ضابطة الخفر قالت: تهمتها الحقيقية ( تجارة من نوع آخر)

الجزء الأخطر 

بين النصف الأحلى والنصف المكمل للمجتمع وبين أوجه المرأة المتعددة يقف وجه آخر للمرأة في زاويا مظلمة من الحياة تتحول بملامح بشعة لاقترافها الجرم بحق نفسها وبحق المجتمع وهو جرم لا يستثنى منه نوع الجنس البشري ذكرا كان او أنثى،بهذه الكلمات ابتدأت مديرة سجن النساء السيدة ( أ ,ك,ج) حديثها وأضافت: ان المرأة كائن يحمل بداخله كماً هائلاً من القوة قد تفوق الرجل به من خلال قوة تحملها وصبرها وعطائها وهذا بحد ذاته يعطيها مكانة كبيرة في المجتمع وهي بالتالي تعد الجزء الأخطر في المجتمع ولكن ( بوجهين من الخطورة ) الإيجابية والسلبية،لذا عندما ترتكب المرأة الجريمة تكون أكثر عنفاً من الرجل وهذا ما لمسته عبر تعاملي مع السجينات وقضاياهن، وللأسف كثيرا ما تستخدم المرأة أداة لتنفيذ الجرائم، فهنا في السجن لدينا 310 بينهن 150 محكومات منهن 20 صدر بحقهن حكم إعدام غير مصدق وأخريات حكمن بالمؤبد إضافة الى أحكام مختلفة تتراوح مابين السنة حتى العشرين سنة وتهمهن قتل واختطاف وسرقة واختلاس،اضافة الى هذا العدد من السجينات لدينا 22 طفلا تحت حضانة أمهاتهن وهذا يتطلب منا توفير الرعاية الكاملة لهؤلاء الأطفال من مستلزمات الطفولة حليب،حفاظات،وعلاج طبي.
 وأضافت مديرة السجن قائلة: الضجة التي أثارتها بعض وسائل الإعلام عارية عن الحقيقة فالمكان يخضع للرقابة الصارمة والمتابعة وتشرف على إدارة السجن نساء وضابطات خفر مناوبات لهن خبرة وحنكة في متابعة شؤون السجن والسجينات، لذا نحن نعتبر هذه الضجة مفبركة بعيدا عن الحقيقة ومن ثم تطالب السجينات برد اعتبارهن برفع قضية ضد من يحاول تشويه شرفهن وسمعتهن.
مديرة السجن اكدت انها ارسلت كتابا الى وزارة العمل لكن الوزارة لم تجب على مراسلات السجن مبينة انها ستقوم بارسال كتاب ثان حول طلب ايداع الطفلة الى دور رعاية الدولة.
 الباحثة الاجتماعية في السجن اكدت ايضا ان وزارة العمل تتأخر في استقبال الاطفال الذين يطلب ذويهم ارسالهم من السجون الى دور الرعاية.

لجنة حقوق الإنسان

عضو لجنة حقوق الانسان في مجلس النواب العراقي علي شبر تحدث عن واقع السجون وحقوق الانسان داخل هذه المؤسسات قائلا:  السجون العراقية سجون مثلى تتمتع بكل مزايا حقوق الانسان، هناك بعض الاخفاقات في البعض منها، لكن الامر ليس ممنهجا او نابعا من توجه حكومي، بل سببه قلة الوعي الثقافي وعدم ادراك لحقوق الانسان، نحتاج الى جهد وتوجيه المعنيين بشؤون السجون لكي نقضي على الانتهاكات ان وجدت، وقد خطونا بعض الخطوات في هذا الاتجاه  فبعض السجون قد تكون بمستوى لائق بالسجين وحفظ حقوقه وأخرى قد تكون دون المستوى وتشهد خروقات  وهذه دلالة على وجود رؤية مختلفة لدى مدير او ادارة السجن، ولذلك تحتاج هذه المؤسسات الى المتابعة والمراقبة الدائمة. واضاف شبر: نحتاج الى الالتزام بالقوانين التي تخص السجناء والمعتقلين وتنفيذها، وفي التحقيقات والقضاء ايضا  لدينا رؤية بخصوصها ونحن جادون في ايجاد قوانين تخدم السجين، حتما هناك بعض المفردات والادعاءات، منها ما يشير الى وجدود حالات تعذيب ووجدنا اثار تعذيب، لكن لانستطيع ان نقطع بها باعتبار ان اثار التعذيب قد تكون مفتعلة من قبل السجين ،ويحاول ان يثبت انه معذب وانتزعت منه اعترافات، وقد تكون هناك فعلا حالات تعذيب ولا استطيع نفيها.

مناشدة لدولة رئيس الوزراء

يثير الدخول الى ( قاووش ) سجن لأول مرة بحثا عن الحقيقة الرعب في النفس، ولاسيما ان أكثر من نصف النزيلات قد ارتكبن جرائم قتل بشكل أو بآخر، وكذلك لأن المكان يضج بقصص القتل والعنف وإزهاق الأرواح البشرية بالمفرد والجملة أحيانا. وبتفحص دقيق لاحظنا أن أغلب أعمار السجينات المتهمات بقضايا الإرهاب يقع فيما دون الثلاثين عاما، بينما يتجاوز سن المتهمات بقضايا الاختلاس الأربعين عاما،والأكثر إيلاما أن يقبع أطفال في السجن مع أمهاتهم.
وما لا يمكن تجاهله في هذه الزيارة لسجن النساء أن البعض من الموقوفات والمسجونات بأحكام قليلة ناشدن السيد رئيس الوزراء بالعفو والمرحمة والمراعاة الانسانية لظروفهن العائلية، متعهدات بفتح صفحة جديدة بعيدا عن أسوار السجن.