بعد ان وطأت قدم أبي محمد سوق الصيادين "الكَوفة والشباك" في العشار، حتى سرح هنيهة مع ذكريات عالم البحار والصيد، وطافت روحه على سفينة صيد مكتوب على جانبها "الذاهب للبحر مفقود والعائد منه مولود"، وكأنه النوخذة (الربان) يشجع صياديه المرتدين إزار الصيد بـالقول "عاشوا.. عاشوا"، وهم يرددون بهمة نشيدهم البحري الخالد بلحن بصراوي أصيل "هي يا مال.. هي يا مال.. هي يامال"، ساحبين بأذرعهم السمراء الحبال ليرفعوا شباكا جاءت لهم بخير البحر الوفير من روبيان وأسماك شتى. وما زال أبو محمد سارحا مع ذكرياته حتى أيقضه صاحب عربة يطلب منه الابتعاد عن الطريق. فاق وهو يتحسر لما حل بالصيد وبسوقه العتيد في البصرة الذي يخيم عليه اليوم الكساد والوحشة، وتغيب عنه زحمة الصيادين ومشترو الشباك والحبال وغيرها من مستلزمات الصيد، بعدما هجرت الاسماك مياه البصرة المالحة، وتوقفت رحلات الصيادين لكثرة تجاوز دول الجوار عليهم، وحل السبات على اسطولهم البحري بعد أن رفعت الحكومة يدها عن دعمه بالوقود. ويذكر صفاء مكي ناصر، وهذا اسمه الكامل، ويعمل صيادا وناشطا في الدفاع عن حقوق الصيادين في البصرة لـ"العالم"، ان "الكثير من التجار الذي وضعوا أموالهم في هذا السوق أعلنوا افلاسهم، وبعض الصيادين انتحروا لأنهم وجدوا أنفسهم عاطلين لا يستطيعون اعالة عوائلهم"، مشيرا الى ان "الاهمال الحكومي أمر متعمد ومدروس، وقد دمر أكبر اسطول في المنطقة، كما انقرضت أسماك محببة لدينا كالصبور الذي وصل سعر (الزوج) الى 35 الف دينار". كما يروي لـ"العالم" عامر محمد جواد الجزائري، صاحب متجر لبيع مستلزمات الصيد في السوق، قائلا "ذهبت الى مختلف دول العالم فلم أشهد اسواقا ضخمة لبيع مواد ومستلزمات الصيد كالأسواق التي توجد في العراق وفي البصرة حيث كان يوجد فيها نحو 115 محلا لبيع لبيع مستلزمات ومواد الصيد وفي منطقة واحدة في العشار". وتأسف لـ"عزوف الكثير عن مهنة الصيد، اضافة الى رفع الدولة يدها عن تجهيز الصيادين بحصة وقود الغاز المدعومة، علاوة على مياهنا الضيقة للصيد حيث أميالها البحرية الضيقة والقليلة تقدر بـ 12 ميلا، بخلاف ايران التي لديها نحو 500 ميل بحري". ويستطرد الجزائري "ان مضايقات دول الجوار للصيادين ومصادرة قواربهم والتجاوز عليهم، جعلت منهم منهكين لا يقدرون على الصيد، والدولة لا تضع حلا للجانب الاقتصادي او الامني، ولابد من دعم الصيادين كالمزارعين، ولابد من تطبيق اتفاقات دولية لحل مشاكل البحر". ويزيد "استيراد السمك البحري اثر في الصيد وفي سوق الصيادين، حيث سعر سمك (الكطان) الهندي او الباكستاني بـ4 آلاف دينار، والكطان العراقي بـ20 الف دينار، ولا ننسى مشكلة الملوحة التي سببت هجرة سمك (السمتي والبني والكطان والبياح و الشانك اصفر الذنب)". ويلفت الجزائري الى أن "مخازننا مملوءة بالشباك والحبال المتكدسة بسبب توقف اسطول الصيادين الذي يضم 800 لنجا من الممكن ان تحيي تجارتنا من جديد وتشغل العاطلين"، منوها بأن "الاقبال أصبح اليوم حصرا على الصنارة والخيط (والثكالة) والشباك البسيطة المستخدمة في هواية الصيد العامة، اما الحبال والشباك البحرية فالاقبال عليها هزيل جدا ولا يمكن الاعتماد عليه لتنشيط تجارتنا". ويوضح عباس الحلفي، صاحب محل في السوق منذ 12 عاما، أنه "على الرغم من انه يتوفر اليوم على كافة المستلزمات التي نستوردها من الصين وتايلند، لكن بضاعتنا لا تلاقي رواجا واقبالا، ويسود سوقنا الكسل والكساد بخلاف السابق". ويذكر لـ"العالم" أنه "وصلت أرباحنا المتدنية وبيعنا للسلع الى ربع ما كنا نحصل عليه في السابق، حيث كنا في الماضي نبيع سلعا بمعدل مليون دينار يوميا، واليوم لا نبيع حتى ما مقداره 50 الفا، واحيانا لا نبيع شيئا". ويتطرق الحلفي الى ان "السوق قبل العام 2003 هي بمثابة بورصة لبيع مستلزمات الصيد، حيث تجار الغزل يتمركزون فيها، والصيادون من المحافظات لاسيما الجنوبية يتبضعون منا، وفي الوقت الذي كانوا يبحثون عن الشباك الكبيرة لصيد الاحجام الكبيرة من الاسماك باتوا اليوم يطلبون شباكا للسمك الناعم (الزوري) بعد ان انقرضت اسماك (البني والكطان والسمتي) التي كانت تشتهر بها الاهوار"، مواصلا حديثه بأن "الكثير من اقراني وزملائي في المهنة غيروا مهنهم الى مهن اخرى فيها حركة واكثر ربحا كتسويق المواد الكهربائية او البلاستك او النايلون، وعملنا يتجه الى الانقراض حيث ان عدد المحلات المتبقية هي 6 فقط، لكني لن اترك مهنتي وانتظر الرحمة الإلهية التي تسعفنا وتعيد الصيادين والحركة لسوقنا". ويفيد فاضل حسن علي التميمي، الذي التقته "العالم"، وهو ينوي التبضع من السوق "جئت للسوق لشراء شبكة صيد السمك (سلّية ناعمة) لصيد سمك (الخشني) لأقضي بها وقتي بعدما تركت مهنة الصيد وسفرات البحر الطويلة التي تربيت عليها انا وأجدادي"، مضيفا "الظرف اليوم أجبرنا على ترك هذه المهنة التي تراجعت بسبب الكثير من المضايقات الصادرة عن دول الجوار وغياب الدعم الحكومي لمراكب صيدنا". البصرة – حيدر الجزائري