جريدة صوت البصرة:العالم حيدر الجزائري

من عائلة احترفت الطرق على النحاس منذ مئات السنين، حيث يذكر ابو عماد، آخر صفار بصري ان جده العاشر مارس المهنة وان كل اجداده وابائه تمسكوا بها حتى وصلت اليه. يجلس في ورشته منذ ان كان صبيا، ومازال يجد لذته فيها بالرغم من وحدته ورحيل زملائه الباقين.

لم يعد في البصرة اليوم، سوق للنحاسين والصفارين، لم تعد المطارق والسنادين تعمل، غاب ضجيجها بعد ان كان يملأ المكان في الخمسينيات، وأبدلت المصنوعات الصفراء ببضائع خرساء، وتحول المكان الى سوق لبيع الخضار، ولم يبق سوى ابو عماد في محله وحيدا في سوق موسى العطية سوق التجار في العشار، يشغل نفسه بأعمال تصليحات وصيانة بسيطة، تحيط به محال بمهن متنوعة بعيده عن مهنة النقش على النحاس، يستذكر زهو المهنة وحديث الاصدقاء الذين تركوه الى حياة اخرى.

يتحدث أبو عماد، وهو من مواليد 1947، لـ"العالم"، عن حكايته الأولى مع الطرق على النحاس، "انا من عائلة كل افرادها من الصفارين، وجدي ذكر لي ان الجد العاشر للعائلة كان صفارا، وهذه المهنة في عائلتنا تمتد لمئات السنين، وانا آخر صفار بعد ان فارق الآخرون الحياة، واليوم، أوصي أولادي بتعلمها، وبعدما اعتزل المهنة سيرثني أبني ليبقي اسم العائلة".

ويستطرد آخر الصفارين "أجلس في محلي وهو محل جدي الذي بناه في العام 1922، بالقرب من جامع المقام، وكان بقربي اثنان من الصفارين، لكنهما رحلا".

وعن سر بقائه في المهنة حتى اليوم، يبين "اتمسك بالمهنة اعتزازا بها، لا من أجل الربح التجاري، فالصناعة توقفت اليوم، ولا توجد في البصرة ورشة إطلاقا".

ويضيف "يقتصر عملي على العرض وصيانة المصنوعات النحاسية، وبالأخص دلال القهوة التي تصنع في العراق وسورية ".

ويسترسل أبو عماد بحزن، قائلا، إن "المهنة على وسادة الاحتضار وفي طريقها للانقراض، تأثرنا كثيرا بسبب تراجع السياحة التي تقتني مصنوعاتنا منذ ثمانينيات القرن الماضي، وذهبت الأواني والاباريق والمدخنة والطشت والصينية والقدور المنزلية، بعد أن غزت السوق المنتجات الصينية والكورية".

ويتابع "ما تبقى هو التحف، ومزهريات توضع في زوايا البيت، وأشياء للمواكب الحسينية، مع دلال القهوة والهاون المنزلي ومرشات ماء الورد وبعض من نقوشات نحاسية عن الآثار العراقية".

ويمضي الصفار البصري بالقول، "هناك إقبال على ما تبقى، لاسيما على دلال القهوة من قبل العشائر، وهناك طلب متزايد من الخليج على دلة القهوة البغدادية المختومة باسم المرحوم مهدي صالح، كما أن هناك اقبالا على اعمالنا من المحافظات وبالخصوص الجنوبية".

ويشير ابو عماد الى أن "فصل الشتاء هو موسم الإقبال على دلال القهوة، حيث يقبل البصريون عليها، أما النساء فتهتم بالمبخرات ومرش الماء، والهاون، وبعضهن مازلن يتمسكن بعادة قديمة، وهي الطرق بالهاون عند العصر لطرد الشياطين، ومنهن جدتي".

ويستمر بالحديث "هناك إقبال على التحفيات المختلفة والسيوف والخناجر للزينة التي تضم نقوشا لحضارات وآثار عراقية من الخارج، اعتزازا بحضارتنا، وان كان الاقبال محدودا".

ويكشف الرجل الستيني عما يميز المصنوعات النحاسية الجديدة عن غيرها قائلا، إن "الأختام هي التي تميز المصنوعات الاصلية، وبالتحديد دلال القهوة، وأنا مازلت اختم باسم والدي".

وعن مصدر الألواح النحاسية التي يستخدمها في ورشته، يذكر "سابقا كان يأتينا النحاس من الهند على شكل طبقات من الربع ملم، وحتى 2 ملم، وكان استيراده مدعوما من الحكومة، لاسيما في الخمسينيات، أما الآن رفع الدعم وتم استيراده، وانفتح العراق على الأسواق العالمية، ونستورد النحاس الصيني لنديم بها صنعتنا".

ويستذكر ابو عماد موقفا طريفا حدث له ذات مرة، وهو أن "امرأة باعت لي إبريق ماء من النحاس القديم لحاجتها للمال، وبعد فترة جاءت بمعية أمها، وطالبت باستعادته، بحجة أن الإبريق اطلع على أسرار عائلتها طيلة 70 عاما".

ويتمنى الشيخ البصري أن "تفتتح الدولة بإمكانياتها الكبيرة قسما في إعدادية الصناعة لتعليم هذه المهنة، خصوصا مع وجود محترفين في بغداد والمحافظات بالرغم من اعتزالهم المهنة، الا أنهم قادرون على تعليم صناعتها، حيث إن مستقبلها مرهون بيد الدولة".