صبري الناصري
كانت الزيارة الأربعينية هذا العام ظاهرة عظيمة لا نظير لها عبر التاريخ،
وقد تضمنت صفحات مشرقة من المواقف الإنسانية النبيلة ينبغي تدوينها
لتنتهل منها الأمم الأخرى، ولم يكن اعتباطاً أن يحظى هذا الشعب الكريم
باحتضان مرقد أبي الأحرار الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام).
لينطلق بمبادئه إلى العالم كله حينما يأذن الله تعالى بالفرج.
كان الشعب كخلية نحل في حركة دائبة وأدوار متنوعة لا تجد فراغاً في خدمة
لم يسدُّه أحد، ولو جنّدت دولة عظيمة كل إمكانياتها المادية والبشرية
لعجزت عن إدارة هذه المسيرة بالشكل الذي كانت عليه، وكان محبّو أبي عبد
الله (عليه السلام) يتسابقون لتقديم الخدمات ويتفانون في سبيل الآخرين
ويتفننّون في نوع الخدمة التي يقدّمونها مما يحتاج إلى كتاب ضخم لتدوين
تلك المشاهد، ولم ترهبهم الأعمال الإجرامية التي نفذها أعداء الإنسانية
وذهب ضحيتها الكثير من الشهداء والجرحى([2]) بل كان يزداد حماسهم
واندفاعهم عقب كل تفجير.
إن السعادة التي كان يعيشها المؤمنون في أجواء المناسبة هي أول جزاء
يناله المشاركون فيها، بل هي الجنة التي وُعد المؤمنون أن يروها في
الدنيا قبل الآخرة، وهل يبحث الإنسان في حياته إلا عن السعادة؟ بينما تجد
البعيدين عن الله تعالى وعن ولاية أهل البيت(عليهم السلام) لا يجدون هذه
السعادة مع توفر كل أسباب الرفاه لهم، بحيث تزداد بينهم نسبة القتل
والانتحار والجرائم والأمراض النفسية.
لقد وعد الله تعالى كل من أدى عملاً صالحاً بالأجر قال تعالى: [إِنَّا لا
نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً]، ولكن مع تفاوت الدرجات يحسب
استحقاق العاملين وإتقانهم للعمل [فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا]
كالطلبة الذين يدخلون الامتحانات وينجحون، فإنهم وإن اشتركوا في أصل
النجاح والصعود إلى المرتبة اللاحقة إلا أنهم تفاوتوا في درجات النجاح
[وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً].
وإن من تمام إتقان العمل وإحسانه أن يحتفظ الإنسان بالآثار التي حصلت له
خلال العمل ويديم وجودها، لأن بعضاً يكتسب تلك الآثار ما دام في العمل
وبمجرد انتهائه يعود إلى طريقته الأولى، وآخر يحتفظ بها مدة أكثر وتضعف
تدريجياً إلى أن يفقدها ثم يجدّدها بعمل آخر، وآخر تختلط مع روحه ودمه
فتثبت فيه وتسري منه بركاتها إلى الآخرين، كالأجسام التي تلامس النار،
فبعضها يفقد الحرارة بمجرد إبعاده عنها، وأخرى تحتفظ بها مدة ثم تفقدها،
وأخرى ـ كالفحم ـ تتحول إلى جمرة متقدة تهب النور والدفء إلى الآخرين.
إن قيمة العبادات والشعائر التي نؤديها بمقدار تحقيقها لتلك المضامين
العالية، قال تعالى [إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء
وَالْمُنكَرِ] [كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى
الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] [لَن يَنَالَ اللَّهَ
لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ] [خُذْ
مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ
عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ]. فإذا تجردت عن المضامين
فإنها ستفرغ من القمية إلا أن يتداركها الله تعالى بفضله وكرمه.
خذ لذلك مثالاً قشور الفاكهة فإنها ما دامت محتوية على اللب وحافظة له
فلها كل القيمة، ولكنها إذا نزعت عنها فلا قيمة لها وترمى في سلة
النفايات.
فالمأمول هو أحياء هذه الشعائر بشكل واعٍ مع استحضار للأهداف التي أسست
من أجلها، والمبادئ التي أراد الأئمة المعصومون (عليهم السلام) تركيزها
من خلال إحيائها، فلم يستشهد الإمام الحسين (عليه السلام) من أجل أن نبكي
عليه فقط أو لنتفجّع ونحزن، وإن كان هذا مطلوباً في نفسه، ولكن الهدف هو
توظيف هذا الحزن والبكاء والألم في رفض الظلم والانحراف والفساد والسعي
بهمة عالية نحو الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والمأمول أيضاً إدامة هذه الآثار المباركة التي عاشها الجميع خلال أيام
المناسبة لتكون خصالاً ثابتة في سلوكنا، مثلاً رغم مشاركة  الملايين في
الزيارة إلا أنه لم يحصل خلاف أو شجار بين الزوار بل إذا وقع خطأ
–كارتطام سيارتين مثلاً- كان المجني عليه يسبق الجاني للاعتذار منه
وتحمّل نفقات إصلاح سيارته. أقول: هذا  السمو وهذا النبل لماذا نتخلى عنه
عندما نعود إلى أهلنا وديارنا فتحصل النزاعات لأمور تافهة عند الله تبارك
وتعالى، أليس هذان المختلفان هنا هما من تعاملا بذلك النبل في رحاب أبي
عبد الله الحسين (عليه السلام) وكلاهما شيعة علي والحسين (عليهما
السلام)؟ فما حدا مما بدا !
إن الإنسان حينما يحسن فإنه أول المستفيدين، مع انتفاع غيره بإحسانه،
فالحسين(عليه السلام) الذي نحيا ببركات شهادته المقدسة كان هو أول من قبض
الثمن كما ورد في خطاب جده المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) إليه (إن
لك مقامات عند الله لن تنالها إلا بالشهادة). قال تعالى: [إِنْ
أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا] وكل ما
يعتقد الإنسان أنه قدمه لله تعالى أو لغيره فإنه إنما قدمه لنفسه حقيقة،
والله هو المتفضل المنان الذي لا يجازى إحسانه.
إن ديمومة هذه الخصال الكريمة والتحلي بالآثار المباركة للزيارة هي
الضمانة لبقاء الأمة حية وفي عزة وكرامة وتقدم وازدهار، وعدم العودة إلى
عصور الظلم والاستبداد والديكتاتورية، وليست الضمانة أن يجتثَّ هذا ويفصل
ذاك([3])، فما دامت النفوس الأمارة بالسوء التي تنادي (أنا ربكم الأعلى)
موجودة، وما دام إبليس يمارس غوايته للبشر، فلا يفرحنا إعدام صدام أو علي
الكيمياوي  وسائر المقبورين من الطغاة، لأن المصنع الذي ينتجهم موجود،
فلا تغرنّكم هذه الضجة المفتعلة التي يراد منها ما يراد في حساب المصالح
ولنا في حياة الأئمة(عليهم السلام) شواهد وأمثلة، فما قيمة زوال حكم بني
أمية إذا كان خلفهم بني العباس، حتى قال الشاعر:
فليت جور بني مروان عاد لنا  وليت عدل  بني العباس في النار
إن عظمة الإمام الحسين (عليه السلام) تتجلى في هذه الديناميكية والحركية
التي يبعثها في حياة الأمة منذ ألف وأربعمائة عام فترهب أعداء الله
ورسوله والإنسانية، فيقومون بأقذر الأساليب لتعويق هذه الحركة المباركة،
لكنهم يعودون خائبين خاسئين، يسخرون منّا أن نتفجّع لرجل قضى قبل أربعة
عشر قرناً شهيداً لتحيى الأمة إلى قيام يوم الساعة، ولا يسخرون من أنفسهم
إذ يخشون هذا الرجل رغم مرور هذه المدة على شهادته.
من حديث سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي(دام ظله) مع حشود
الزوار الذين وفدوا للسلام على سماحته وهم متوجهون مشياً على الأقدام من
مختلف المحافظات لزيارة أبي عبد الله الحسين(عليه السلام) يومي 16،17 صفر
1431."