بقلم : د. نبيل احمد الامير التميمي

 

يعيش العراق منذ نشأة الدولة العراقية الحديثة عام ١٩٢١ أزمة مزمنة ، لاينفك أن تُحل واحدة حتى يدخل باُخرى .

والغريب ان الأمر تداخل اليوم على الكثيرين وخصوصا بعد أن تفتحت آفاق التواصل الإجتماعي والشبكات العنكبوتية والرأي الآخر ، والأجندات ، والمؤامرات ، حيث إختلف الفرقاء بتسمية الأزمة . . .

هل هي أزمة حكم . . أم أزمة حكومة ؟

هل هو طبيعة نظام الحكم تأسس بقواعد باطلة وفاشلة . . أم هو طبيعة تشكيلات حكومية ضعيفة وفاشلة تعاقبت ولا زالت تتعاقب على الحكم فيه ؟؟

قضية نطرحها اليوم عسى أن نصل منها لتشخيص اُسْ مصيبة العراق . . 

العراقيون كانوا ولازالوا شعب قوي المراس ، متناقض في أهوائه وإنتمائاته وأفعاله ، متمرّد في أغلب أحواله بالخفاء ، خانع لقوة السلطة والحديد والنار بالعلن ، متطلباته كثيرة ، وحضوضه بالدنيا قليلة ، بين متديّن ومدّعي ، لم يتمتع يوماً بترف خيراته رغم  ماحباه الله تعالى من نِعَمْ ، فمرّة يتسلط عليه مجرم لايرحمه ، ومرة يتسلط عليه فاسد يَسرقه ، وظل بين هذا وذاك يعاني كبد وزهد العيش .

واليوم بعد أن إستبشر العراقيون بسقوط الصنم ، نجد أن حالهم لم يتغير ، بل إزدادوا ميزة ومكابدة جديدة لم يتمتعوا بها قبلاً ، ألا وهي الإرهاب . . .

الإرهاب الذي يضرب المدن والقرى والاسواق والابرياء بدون رحمة ، الإرهاب الذي يطول الفقراء والابرياء بأيدي سلطوية متنفذة بين هذا وذاك ، الإرهاب الذي أظنه قد إستوطن العراق ولن يفارقه قريباً .

كان للإحتلال البغيض اليد الطولى ، والمسبب الرئيس لما يحدث اليوم من خلط للأوراق ، بين إرهاب وطائفية وفساد وإنتهازية ، فبعضهم يوعز مايحدث لبطلان قواعد تأسيس العراق الجديد (كما يحلو للبعض تسميته) ، وبذلك فهي أزمة حكم ، والبعض يوعز الاسباب على من تقلّد المناصب بالدولة ، وجهلهم وقلّة وعيهم وضعف إدارتهم ، وبذلك تكون أزمة حكومة .

لكني متواضعاً أراها خليط أزمة ، او أزمة خليط ، جمعت بين مجموعة أزمات لاينفك أن يكون المحتل مسببها .

فأزمة الإرهاب ، وأزمة الفساد ، وأزمة الثقة ، والانتهازية ، وعدم الولاء ، وعدم الثقة ، والضعف الإداري ، والفشل بإحتواء الآخر ، والفشل بإدارة الأزمات ، والمكابرة ، والتعالي ، والنرجسية ، والسادية . . وغيرها الكثير ، كلها أسباب لأزمات أطاحت بالحلم العراقي في إنشاء دولة مدنية وديمقراطية .

كما ان قلّة الثقافة المجتمعية ساهمت وبشكل كبير أيضاً بتردي الحال ، حيث إطمئن السيئيين القدامى والجدد ان هذا الشعب يمكن إقتياده واللعب عليه وبمشاعره وكأنه قطيع لا حول له ولا قوة .

فنحن اليوم بحاجة لثورة المثقفين المنزوين في بيوتهم ومكتباتهم ومنافيهم . . بحاجة لمن لديه روح الخدمة الطوعية . . بحاجة لمن يُقدّم بدون أن ينتظر ما سيُقدّم له .

لذلك فانا على يقين أنها ليست أزمة حكم ، ولا أزمة حكومة ، قدر ماهي أزمة شعب لازالت السلطة تُخيفه ويهابها ويتعامل بمبدأ التقيّة ، وأزمة ثقة شعب بنفسه أنه قادر على لفظ الخطأ خارج الحدود ، وفرض سلطته وهيبته على الحكم والحكومة .

فهي أزمة شعب وأمّة فقدت قدرتها على قول الحق والسير في طريقه وإعطاء كل ذي حقٍ حقه ، وكل حسب عمله وإجتهاده ونيته ، أزمة شعب سحقه السعي وراء لقمة العيش والسكوت عن حقوقه ، أزمة شعب يحتضر بإنتظار الإرادة الإلهية لتخرج روحه ويُدفن في مقابر التاريخ حيث لا يذكره أحد .

أزمة شعب يصرخ هل من مُغيث . . ؟

فهل من مُجيب . . ؟

لله ذرّك ياعراق . . 

لله ذرّك ياعراق .