البصريون يفتتحون صباحات العيد بـ«المصموطة».. ويرسلونها «صوغات» الى الخليج

صحيفة العالم – البصرة – حيدر الجزائري:

ما ان حل صباح أول يوم من أيام عيد الفطر، حتى توافد الجيران والاصدقاء والاقارب على دار ابو علي النور الواقعة في قضاء الزبير لتهنئته بحلول العيد، فاستقبلهم الرجل بحفاوة وكرم بصري، مقدما لهم "الكليجة" البصرية المملوءة بالتمر.

وبعد انتهاء ابو علي من توزيع العيدية على اطفال ضيوفه، انتبه الى ان ابو عباس (ضيفه) لم تمتد يده الى شيء مما قدم اليه، عندها سأله عن سبب امتناعه من تناول حلوى وعصائر سفرة العيد، فاجأبه، "قصدت دارك مهنئا وراغبا بأكلة المصموطة"، فردّ ابو علي عليه قائلا "ابشر.. المصموطة والشاي مخدر" عندها مد "السماط" وجلس الجميع وجيء بخبز التنور والخضار واللبن والطرشي، فيما ترك صدر المائدة لطبق المصموطة.

وأكلة المصموطة يلتقي عندها التراث والحداثة، وقد تكون للبعض غريبة الاسم، او ربما جديدة على متذوقي الاكلات الدسمة والشهيرة، لكنها رغم بساطتها تعتبر من ابرز واشهر الاكللات التراثية البصرية منذ القدم ومحببه في محيط عوائلهم صيفا وشتائا، كما انها صديقة البحارة، وذاع صيتها في المدن والاقطار، حتى امست تهدى الى الدول وترسل "كصوغات"، وهي عبارة عن سمك بحري مملح يجفف لايام وتطها بطريقة يتفنن بها البصريون ويفضلون تناولها ايام الجمع او مطلع العيد ، كما تختلف طريقة اعدادها بين منطقة واخرى، فالبعض يفضل طعهما حارا فيضيف لها التوابل الحارة، وآخرون يعشقونها بطعم حامض فيضيفون لها النومي بصرة.

وعن اصل هذه الاكلة روى ابو علي النور، مدرس، في حديث مع "العالم"، ان والده العامل في الملاحة والسفن اخبره بانها "أكلة اليهود البصريين المفضلة مع البصل والثوم، وبخلاف بقية البصريين، فانهم يتناولونها في مواسم متعددة أكثر من ايام العيد، كما هي رفيق سفرهم بالبحر"، مضيفا ان "اليهود لا يفارقون السمك المملح او المجفف حتى في سفرهم، وما زالت تلك الاكلة محببة لديهم حتى فارقناهم في اواخر ستينيات القرن الماضي".

وفي اثناء جولة لمراسلها في سوق السمك المزدحم وسط سوق البصرة القديم، التقت "العالم" سعيد بائع سمك المصموطة المجفف، وقد قال "عملنا الرئيس هو تجفيف وتمليح السمك وبيعه لاسيما البحري منه، ونفضل في ذلك سمك (الهامور والشانك والنويبي والضلعة) وغيرها من الاسماك البحرية، ويشهد عملنا رواجا لاسيما في ايام العيد".

وبيّن سعيد ان "طريقة تجفيفها تكون في الظل وليس تحت اشعة الشمس التي تكسرها، وتبقى تحافظ على طعمها وفوائدها بسبب التمليح والبهارات".

وفي مقابلة مع "العالم"، قالت ام محمد حسن، ربة منزل (36 عاما) كـ"بصريين نعشق أكلة المصموطة منذ القدم وكذا حال آبائنا، اذ انها أكلة بصرية بحتة، حتى صار بعض الناس يلقبنا بأهل المصموطة، وقد تضاهي أكلات شهيرة كالشبزي والكبة والدولمة".

وعن أنواع الاسماك المفضلة في اعداد طبق المصموطة أوضحت ام محمد "عادة ما نفضل الاسماك البحرية او غيرها القادمة من قضاء الفاو، ونجففها لمدة شهر في مكان مرتفع لتذهب عنها الدهون" مؤكدة ان "ايام الجمع وايام العيد موسمها لاسيما عيد الفطر وبعد انتهاء صيام شهر رمضان تصبح تلك الاكلة افطار البصريين الشهي، ونصطلح على فائدتها بغسل المعدة وتعتبر وجبة طعام كاملة".

ولفت ايهاب الركابي، شاعر شعبي، الى ان المصموطة "امست ترسل الى الخليج وبعض الدول كصوغات بصرية قبل طبخها واثناء تجفيفها".

وتابع في لقاء مع "العالم" أن المصموطة "أكلة صحية للجسم وتعتبر من اقدم طرق غسل المعدة، على اعتبار أن المعدة التي تعاني من الامتناع عن الاكل لمدة شهر تحتاج الى ان تستعيد الاملاح التي فقدتها بالصيام" مشيرا الى ان "افضل سمك للمصموطة حمام بحري او سمك السيف البحري، ويطبخ بطريقة السلق، ولا يضاف معه اي مادة سوى نومي بصرة والبصل، والبعض يفضل اضافة البامیة".

بدورها قالت الحاجة ام محمد ربة منزل (56 عاما) لـ"العالم" ان لأكلة المصموطة "اسرارا كثيرة في طريقة تحضيرها، ابرزها الاهتمام في طريقة تجفيف السمكة وتمليحها ونظافتها، والتأكد من جفافها بالمدة المطلوبة، وازالة القشورعن ظهرها، وسلقها في الماء مع البصل حتى تفور بمقدار معين لا يذوب معه اللحم، وتقدم أيام العيد".

من جهته أكد ابو حسين الموسوي، المغترب في لندن (65 عاما) ان "المصموطة يعشقها المغتربون ويحنون اليها، وهناك صعوبة في تحضيرها حيث الاجواء الباردة في الغرب"، متابعا "تأخذنا حسرات الحنين اليها لاسيما في مطلع صباح العيد، ونزور البصرة بين الحين والآخر لنجدد معها تراثنا وذكرياتنا بالاكلات البصرية".