البصريون يكثرون من استعمال «الكلة» على السطوح لحمايتهم من إزعاجات الليل

صوت البصرة - العالم - حيدر الجزائري:

على حصيرة كبيرة فرشوها في ساحة الدار أمام الطارمة، اجتمعت عائلة ابو صالح السلطان لتناول الدجاج المشوي، مع خبز السياح المصنوع من طحين الرز، والمخبوز على "طاوة" معدنية أُوقد تحتها الحطب، ثم شربوا الشاي المعد بنار الفحم. لم يكن اجتماعهم اجتماع عشاء وحسب، بل كان مناسبة عائلية لطيفة، تخللتها الطرائف وتذكر الغائبين وحكايات الماضي الجميل.

تهادى إليهم صوت ابو صالح، وهو يدعوهم الى السطح لتناول الرقي والبطيخ البارد، ليكملوا سمرهم بممازحة الاطفال، بعدها غسلوا ايديهم في الطشت الذي جلبوه معهم الى السطح. وقبل ان تحكي الام لأطفالها حكاية "صبار وجبار وهروبهم من الوحش والنار"، دعت ابناءها الكبار الى جلب "كلل" النوم البيضاء التي تدفع عنهم لسعات البعوض القاسية، وسواها من الحشرات الطائرة، فينامون تحت ضوء القمر، ملتحفين بالنسيم ومقلبين اعينهم في النجوم وفضاء السماء، حتى يضرب النوم اذانهم وبصرهم.

ونوم السطوح عادة منتشرة على مستوى البلاد العربية، لكنها تختلف بتعدد التقاليد وعادات المجتمع، ولاسيما في البصرة التي تميزت بالنوم على السطوح مع نصب الكلل منذ القدم، وقبل مجيء الكهرباء، فينام الأب والأم مع أطفالهم الصغار في أقصى السطح، بينما يتوزع بقية أفراد الأسرة بكللهم على الجزء المتبقي من فضائه.

والكلَّة هي ستر رقيق مثقب يُتَوَقَّى به من البعوض وغيره، ويطلق البعض عليها النَّامُوسِيَّةُ. والكلة عند البصريين هي قطعة من القماش الخفيف، عادة ما تكون بيضاء، يتم خياطتها على شكل مكعب مفتوح من جهة واحدة على الحبال الخاصة بها، وتوضع نهاياتها المفتوحة تحت الأسّرة، وهي تقي النائمين تحتها من لدغات الحشرات أو العيون المتطفلة لبعض الجيران، وما زالت تُستخدم في البصرة، ولاسيما في المناطق الريفية.

وفي حديث مع "العالم" امس الأحد، شرح محمد ابو باسم الشرع (60 عاما) وهو شاعر من اهالي البصرة، طريقة نصب الكلة بقوله "يتم نصبها قرب حلول الغروب، ولا احد يرفعها لكي لا يدخل اليها البعوض او الحشرات، لأن الغروب يشهد انتشارا لانواع مختلفة من الحشرات. ويتم وضع اجزائها المتساقطة "البنايج" تحت فراش النوم لكي تسد الاماكن والثغرات امام الحشرات والزواحف بعملية تسمى "التدحي"، وتشد جوانبها "المزاريك" التي ترفع الكلة من الاعلى بقصبات او خشب، ويتم تفكيها عند الصباح".

واشار ابو باسم الى ان "الكلل على انواع، منها الشفافة ومنها التي تحجب رؤية المتطفلين الى من هم في داخلها. كما توجد على احجام مختلفة. وهناك الوان اخرى كالاحمر، وكانت تحاك من الصوف الى ان جاء الى السوق قماش الململ والتور والنايلون الخفيف".

اما ابو علي الديراوي من أهالي ناحية الدير (65 عاما)، فهو يقول لـ "العالم" إن "الكلّه استخدمت في عصر لم تكن فيه كهرباء، واستخدمت ايضا في حالة ختان الاطفال، فيتم جمع اطفال القرية في يوم واحد لختانهم، ويتم نصب الكلة لادخالهم واحدا تلوى الاخر لـ (المطهرجي)، وتلك عادات ابناء الريف"، مضيفا "في الصيف تعمد النساء الى الصعود الى سطح المنزل لتوضيب الفراش ليكون باردا وقت النوم، وينصبن الكلة لكي لا تدخل الحشرات ومن ضمنها حشرة البق الى الفراش".

وتابع ابو علي "عندما تشاهد منظر المنطقة عند المغرب، ترى منظرا خلابا، فكل البيوت الطينية قد نصبت عليها الكلل البيض، وكأنها أشرعة السفن التي تنتشر في البحر".

أما القاص عبد الحليم مهودر، فأفاد "العالم" أمس بأن الكلّة تنصب "في اماكن الاهوار في (السوباط) وهو مكان مرتفع، لكنه مكشوف فينامون فوقه خوفا من ان ينكشفوا على الاخرين. إلّا ان الكلّة بدأت تختفي، لان النوم على السطوح اصبح صعبا، وان العودة إلى استخدامها حاليا محدودة وغير منتشرة كالسابق".

ويرجع مهودر بذاكرته الى الدراسة وهو يتحدث عن طالبة مغربية كانت تقول له "احب شيء لي في البصرة هو النوم على السطوح، ولاسيما مع قماش الكلة الخفيف ذي اللون الابيض والطري في الهواء".

المواطن ابو صالح (55 عاما)، وهو من سكنة مدينة القرنة شمال البصرة، يذهب إلى أن "استخدام الكلل لم يقتصر على العراقيين او البصريين، بل ان جيوشا عدة قد استخدمتها عندما كانت في العراء"، مضيفا "ما زالت العوائل البصرية والجنوبية تقتنيها، ويعد معقل صناعتها اليوم هو مدينة القرنة، وتتراوح اسعارها بين 5 الى 12 الف دينار".

واضاف ان الكلّة "تتكون من 3 اجزاء، ولتنصيبها نقوم بوضع الطين في اناء كبير، ونضع في وسطه عصا او قصبة، كمساند للجانبين لرفعها. وتوجد نوعية تحتوي على ما يشبه الجيوب في مؤخرة جوانبها، لوضع العصا عليها كي تلتصق على الارض وتسمى (بنيجة)، وهناك نوعية اخرى يكون لها فراش خاص بها".

ورأى الشاعر البصري المعروف طالب عبد العزيز، في مقابلة مع "العالم" امس، ان اجمل مشهد يسحره هو "مشهد الكلل البيضاء المصنوعة من قماش الململ الخفيف الشفاف، وهي تنتشر على اسطح البيوت".

وتابع عبد العزيز القول "تحرص الزوجة او الإسرة دائما بعد المغرب، على نصب هذه الكلل لكي يبرد الفراش ويترك والكلة منصوبة عليه، ليصعد السطح من سلالم شيدت من جذوع النخل او من الطيب، وهذا مشهد يألفه البصريون ممن عاشوا فترة الثلاثينيات والأربعينيات وحتى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. واليوم هناك عودة اضطرارية لها من قبل البصريين، كي يتخذوا من جديد السطح مناما لهم".